شعار جهاز المخابرات الوطني العراقي
آخر الأخبار ينعى جهاز المخابرات الوطني العراقي بقلوب ملؤها الحزن والأسى إستشهاد .... شعار جهاز المخابرات الوطني العراقي

الموسيقى في بلاد الرافدين :

برزت أهمية الموسيقى في بلاد الرافدين بعلو منزلتها عند العائلة والمجتمع البابلي وشدة الإقبال على تعلمها وفق منهج تدريسي يضعه مدرس موسيقى غالباً ما يقوم بعمله هذا في داخل المعابد -كمعبد شمش وأنليل- وبالتحديد في صحن المعبد والذي يسمى (كيسال) وهو مكان مقدس كقدسية الموسيقى ورفعتها في بلاد الرافدين على اعتبارها الأداة المهمة لأداء الفرائض المختلفة. لذلك نجد في ارث الحضارة البابلية معرفة واسعة بالأنغام والسلالم والعزف على مختلف الآلات.

ومن أهم المناسبات التي كانت تقام كجزء من العبادات هو الاحتفال بعيد رأس السنة حيث الزواج المقدس بين الملك (تموز) والكاهنة (عشتار)، وكذلك الاحتفال ببناء المعابد وتجديدها ودفن الموتى على حسب مكانتهم المجتمعية. هذه الأمور كانت تحتاج الى مايناسبها من الإجلال والاحترام فكانت الموسيقى باعتبارها من المقدسات أول هذه الأشياء التي يقيمون بوساطتها أدعيتهم وتراتيلهم التعبدية، التي غالباً ماتتلون أنغامها وألحانها مع تلون الطقوس والتراتيل الدينية.

واستطاع سكان بلاد الرافدين أن يخطوا لهم خطين موسيقيين أعتمد الأول على الجانب الديني أما الآخر فسخروه في جانب دنيوي حيث اسـتطاعوا أن يكيفوا آلات النقر الأيقاعية كدلالة على الحزن عبر مراسيم لحنية امتازت بسموها بما يتلاءم مع حالات الرثاء والنواح مع الضرب بالأيدي على مواضع مختلفة من الجسم كنوع من الأداء الموسيقي الإيقاعي المرافق لكافة الشعائر الدينية.

أما ما يقابلها من جانب دنيوي كالاحتفالات الخاصة وولائم الشراب، فقد برز دور الآلات الموسيقية بجميع أصنافها وبكافة مقاماتها التي أختلفت دلالاتها وفق المقام والآلة الموسيقية. إذ أعطي المقام دلالة خاصة تميزه عن غيره من المقامات كدلالة الليل و النهار والفرح والحزن، إلا أن طريقة أداء هذه المقامات كانت تقتصر على المقام نفسه دون الانتقال الى غيره من جِناسْ إذ لم يعرفوا تأليف اللحون المتفرقة بعد لذا فقد حددت الألوان (الجناس) في كل مقام وهي التي لايمكن للملحن أن يتعداها.

ويتضح لنا من خلال ذلك أن سكان بلاد الرافدين كانوا على معرفة ودراية بربع الدرجة الصوتية التي ظلت مفتوحة على الدوام انطلاقاً من طابعها الأدائي، في حين استقرت الأصوات الموسيقية في الموسيقى غير الشرقية فظهرت الأصوات الثابتة المعتمدة على الدرجة ونصف الدرجة كما في مقام الماجور أو الماينر التي تقابل عند الشرق مقامي العجم و النهاوند.

ونتيجة لذلك التنوع مابين المقامات الشرقية والمقامات الغربية، تميزت موسيقى بـلاد الرافدين وتباينت ألحانها مابين قوية وعنيفة حيناً، ولينة ورخوه أحياناً، وهذا ماجعل أفلاطون يصف موسيقاهم بالخمول ويحذر مواطنيه، بوصفهم شعباً قوياً محارباً من الاستماع أليها. إلا أن ذلك لايعني أنها كانت موسيقى خاملة الى حد النعاس كما وصفها أفلاطون، فقد أدرك الآشوريون ماكان للموسيقى من أثر معنوي للمقاتلين، لذا فقد وظفوا ألحانها لأثارة الحماس في نفوس الجنود في أثناء المسير وإبان غيابهم عن المعسكرات في بلادهم، علاوة على أستخدام بعض الألحان الدالة للإنذار ببداية حرب. إذ يُعتقد أن الآشوريين هم أول من شكلوا الفرق الموسيقية العسكرية التي تضم مجموعة من العازفين على الآلات الموسيقية، حيث شاركت في الاحتفالات والانتصارات التي حققها (آشور ناصر بال 1050- 1032) قبل الميلاد.

الآلات الموسيقية في بلاد الرافدين:

تلونت ألحان بلاد الرافدين بتلون آلاتهم الموسيقية كما تعددت دلالاتها فـي ضوء ماتمتلكه تلك الالآت من خصائص صوتية وصناعية، وقدسية. وتقسم الآلات في بلاد الرافديــن على الوجه الآتي:

أولاً: الآلات الأيقاعية

استخدمت الآلات الإيقاعية بشكل متكرر في الاحتفالات والمراسيم التي كانت تقام في العراق القديم (إحتفالات رأس السنة - الإحتفالات الدينية) وهي على نوعين: آلات لايمكن تمييز درجة أصواتها وليس لها مدلول لحني؛ ومنها العصي الإيقاعية والمصفقات والشخاليل والأجراس والصنوج والصلاصل والجلاجل؛ وعملها تقوية الإيقاع.

وأخرى هي الآلات الإيقاعية والتي يمكن تمييز درجة أصواتها ولها مدلول لحني، مثل الدفوف والطبول. تتكون العصي الأيقاعية من عصاتين عريضتين ملويتين بإمكان المرء أن يمسكهما بين يديه فيضرب الواحدة بالأخرى لترسل تصفيفاً إيقاعياً.

أما المصفقات فهي عبارة عن قطعتين على هيئة قدمي رجل تقرع الواحدة بالأخرى لإصدار صوت. وتكون الشخاليل على هيأة صنجة صغيرة مرتبطة بآلة معدنية تعطي صوتاً عند هزها من مقبضها تعرف في اللغات الأوربية باسم (sistrum)، واستمر استعمال هذه الآلة في العصر الأكدي (2170-1350) قبل الميلاد.

استخدمت الأجراس الصغيرة في المناسبات وكانت الراقصات يعلقنها في أعناقهن لضبط الأيقاع. كما استعملت عند الآشوريين لطرد الأرواح الشريرة، بالاضافة الى استخدامها بشكل حلقات معلقة حول رقاب الخيول للإشارة الى وصولها. وهي أيضا تتشابه مع الصنوج الصغيرة.

أما بالنسبة للصلاصل والجلاجل فتكون الأولى شـبيهة بملقط يحمل فـي سـاقه نوعاً من الصِنوجْ المتحركة تخرج صوتاً موسيقياً إيقاعياً عند اهتزاز الآلة وارتطام الآلة ببعضها استعملت في العصر الأكدي بشكل مستمر أما في بلاد مابين النهرين فكان عمر هذه الآلة قصيراً. أما الثانية – الجلاجل – فهي عبارة عن تماثيل صغيرة تملأ بالحصى بغية هدهدة الأطفال وملاطفتهم كما صنعت من الذهب أيضاً وكانت تعلق في أذيال رداء رئيس الكهنة عند دخوله قدس الأقداس وخروجه منه لتعطي صوتاً موسـيقياً دالاً على قدومه وخروجه.

النوع الآخر من الآلات الإيقاعية فهي الآلات التي يمكن تمييز درجة أصواتها حيث يكون لها مدلول لحني وكان من أبرزها:

  1. الطبول

    كانت الطبول ذات قدسية خاصة لما لألحانها من دلالة على الحزن والنواح على القمر المختفي أيام الخسوف الكلي نظراً لعبادتهم القمر. وتعد الطبول الكبيرة المستديرة أقدم أنواع الطبول المعروفة في العراق.

  2. الدفوف

    ويطلق عليها أسم (طبل اليد) وهو عبارة عن قطعة من الجلد الرقيق المشدود الى إطار من الخشب شداً محكماً يتميز بأنغامه الموسيقية الخاصة وكثيراً ما تقوم النساء بالضرب عليه مرافقاً للرقص داخل المعابد من كاهنات. وتعلق في إطاره الخشبي بعض الأحيان أجراس صغيرة زيادة على الأيقاع. تنوعت أشكال الدفوف في العراق القديم مابين الدائري والمربع، كما اختلفت طريقة مسكه والضرب عليه وغالباً مايمسك الدف باليد اليسرى ويضرب عليه باليد الأخرى قريباً من الصدر.



ثانياً : الالآت الوترية

إستطاع سكان بلاد الرافدين من التعرف على الآلات الوترية حيث برعوا في صناعتها وإكسابها أشكالاً وأحجاماً مختلفة تختلف مع اختلاف الألحان الصادرة من أوتار هذه الآلات. حيث "امتازت مدينة بابل وآشور بظهور أنواع من تلك الالآت الوترية التي يمكن اعتبارها الحلقات الأولى لآلـة القانون والسـنتور، ومن هذه الآلات التي استخدموها هـي (الكنارة) و (الجنك).

الكنارة:

تعد (الكنارة lyre) من أقدم الالآت ذات الألحان الطربية، ويَرجِعُ تاريخها الى (2500- 2350) قبل الميلاد، وهي قريبة الشبه من القيثارة ولاتختلف عنها إلا قليلاً. وتتكون آلة الكنارة من صندوق صوتي وتتراوح عدد أوتارها مابين (8-11) وتراً تثبت مباشرةً كأوتار القيثارة في جسم الثور حيث تكون مصنوعة من أمعائهِ التي يكون النقر عليها بالأنامل لا بالريشة.

ظهر نوعان مهمان من الكنارة أطلق عليهما فيما بعد (بالقيثارة السومرية) و(القيثارة البابلية الكلدانية)، وتعد القيثارة السومرية أقدم آلة موسيقية وترية في التاريخ تعود الى الربع الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد. حيث عثر عليها في المقبرة الملكية. كما ظهر هنالك نوع آخر فـي مصر يسمى بـ (السمسمية) وهي منتشرة في بلدان كثيرة في الوطن العربي كما ظهر (البربط) أي صدر البط وهو مايسمى بـ (العود).

إستمر استخدام هذه الآلة والعزف عليها بطريقة النقر بالأنامل، لذا فقد كانت تتسم بطبيعة ألحانها الهادئة التي غالباً ما كانت ترافق العازف المغني عبر أنغام تأتي مكملة وليست أساسية عندما تأتي مرافقة مع آلات أخرى ويعزى ذلك الى صعوبة العزف عليها بسبب خلوها من (العِرَبْ)، كعرب آلة القانون.كما ظهر هنالك نوع آخر أطلق عليه تسمية (البربط) أي (صدر البط) أو مايسمى حالياً بـ (العود). و امتاز العود في آشور بكثرة دساتينه وكان كبير الشبه بالنقوش التي ظهرت لآلة العود عند قدماء المصريين. وكان العود ذو الرقبة الطويلة يسمى (الطنبور الآشوري) وهو منتشر في سوريا ولبنان والأردن وتركيا. واستطاع العود أن يحقق تطوراً في نوع الألحان وتعدد أنغامها عن طريق سهولة التحكم بأوتاره التي قل عددها وزاد عدد مقاماتها وطبقاتها الصوتية. كما شمل ذلك التطور تنوعاً في طرق مسك العود حيث يكون مسكه بصورة مائلة عند الأكديين (2350 - 2170) قبل الميلاد وبصورة مستقيمة أفقية عند البابليين في عصر حمورابي (1950 – 1530) قبل الميلاد.

الجَنْك:

تعد من أبرز الآلات الموسيقية الوترية التي أنجبتها حضارة بلاد الرافدين وحضيت فيها بالقداسة، وهي تشبه الـ (هارب harp). ويعد أول وأقدم شكل لهذه الآلة هو الشكل (المنحني) أو (المقوس) الذي تطور عن (قوس الرماية) ويعود الى النصف الثاني من عصر الوركاء (3000 - 2800) قبل الميلاد و (الجنك الزاوي) الذي ظهر لأول مرة في العراق القديم في العصر البابلي القديم المشهور بملكه السادس حمورابي (1728 – 1676) قبل الميلاد. احتوت الآلة على ثلاثة أوتار فقط وعرفت عندهم باسم (بالآك). إزداد عدد أوتارها في عصر فجر السلالآت الثاني(2600 – 2500) قبل الميلاد وأصبح يتراوح مابين (5-7) أوتار. يكون العزف على آلة الجنك غالباً من النساء وفي وضعيات مختلفة (الوقوف- الجلوس- الركوع)، حيث تمسك الآلة بصورة عمودية وينقر عليها بالأصابع. ويستعمل العازف الإبهام وثلاثة أصابع من كل يد للنبر على أوتارها.

بدأت الاوتار بـ (3) وتطورت الى (7) و(11) و(22) وتراً عند الآشوريين وصولاً الى شكلها الحديث الذي يبلغ (47) وتراً ذا دواسات يبلغ عددها (7) دواسات تعطي أنغاماً تصل الى (6) دواوين ونصف الديوان مما يتيح للعازف آداء النغمات في السلالم الموسيقية كافة.

ثالثاً: الآلات الهوائية:

عرف سكان بلاد الرافديـن الآلات الهوائية شأنها شأن الآلات الأخرى وهي على نوعين:

النوع الأول : هو النوع الخالي من الثقوب كالأبواق التي يتم النفخ فيها عبر أنبوب صنع من عظام وقرون الحيوانات وتكون طبيعة ألحانها ذات مسارات لحنية مفردة خالية من الانتقال بين الجناسات للمقامات المختلفة، لذا فقد أستخدم هذا النوع من الآلات للإشارة والتنبيه بشكل اساس.

النوع الثاني : هو نوع الآلات التي تحتوي على ثقوب كالناي والناي المزواج وامتاز هذا النوع من الآلات بتعددة ألحانـه لأحتوائه على (7) ثقوب على ظهر الآلة الهوائية المصنوعة من القصب وثقباً وحيداً في البطن. وأمتاز الناي بسهولة الأنتقال مابين المقامات وآداء الطبقات المتعددة، لذلك فقد تميز بأنغامه المتنهدة الحزينة الهادئة.

أما مايعرف بـ (المزمار المزواج) أو (المطبج) فهو عبارة عن قصبتين متلاصقتين تحتوي على (7) ثقوب يعزف عليها بنفس الوقت في حفلات الزواج والختان والرقص الشعبي خاصة الدبكة (الجوبي). كما أن المطبج هو الآلة المفضلة للرعاة يعزفون عليها الحانهم عند قيامهم برعي قطعان أغنامهم حتى وقتنا الحاضر، الا أن (المطبج) الحالي يختلف عن (المزمار المزواج) المنقوش في الآثار الموسيقية للعراق القديم فيما يخص الاتصال بين القصبتين، حيث نجد في هذه الآثار العراقية أن الاتصال بين القصبتين يقتصر على القسم العلوي والذي يضعه العازف في فمه وهو كالرقم (7) وقد عرف هذا النوع عند المصريين باسم (الأرغول) الملتصق القصبتين كما عرف عند الإغريق باسم (الأولوس) وكان يوصف بأن صوته حاد بالغ في الحدة، وكان يستخدم كدلالة على الفرح ويصاحبه عادة الرقص والمسرحيات.

وبناءً على ماتقدم نجد أن دلالات الألحان الموسيقية عند بلاد الرافدين أنضوت على الألحان الدينية والدنيوية التي غالباً ماتعتمد على الآلات الإيقاعية والهوائية علاوة على الآلات الوترية. وغالباً ما تعتمد تلك الألحان وتتباهى بـ (ثلاثة أرباع) الدرجة الصوتية الشرقية الطابع ذات الأثر النفسي إضافة الى الأثر الدلالي والأشاري لبعض الآلات كالبوق الذي غالباً ما يستعمل في المعارك لتوصيل الأوامر وإعطاء الإيعازات المختلفة .

استخدم الآن الرقم الساخن للتبليغ عن اي عمليات ارهابية

بِخُطىً واثقة، نؤمن الوطن

400